ابراهيم بن عمر البقاعي
375
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أتم ذلك ذهب الداخلون عليه فلم ير منهم أحدا فوقع في نفسه أنه لا خصومة ، وأنهم إنما أرادوا أن يجربوه في الحكم ويدربوه عليه ، وأنه يجوز للشخص أن يقول ما لم يقع إذا انبنى عليه فائدة عظيمة تعين ذلك الكلام طريقا للوصول إليها أو كان أحسن الطرق مع خلو الأمر عن فساد ، وحاصله أنه تذكر كلام ، والمراد به بعض لوازمه ، فهو مثل دلالة التضمن في المفردات ، وهذا مثل قول سليمان عليه السّلام « ائتوني بالسكين أشقه بينهما » وليس مراده إلا ما يلزم عن ذلك من معرفة الصادقة والكاذبة بإباء الأم لذلك وتسليم المدعية كذبا ، وتحقيقه أنه لا ملازمة بين الكلام وإرادة المعنى المطابقي لمفردات ألفاظه بدليل لغو اليمين ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لصفية رضي اللّه عنها « عقرى حلقي « 1 » » ولأم سلمة رضي اللّه عنها « تربت يمينك « 2 » » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلاث جدهن جد وهزلهن جد » « 3 » مشير إلى أن الكلام قد لا يراد به معناه ، ومن هنا كان الحكم في ألفاظ الكنايات أنه لا يقع بها شيء إلا إن اقترن بقصد المعنى ، ولما كان هذا القدر معلوما عطف عليه قوله : وَظَنَّ داوُدُ أي بذهابهم قبل فصل الأمر وقد دهمه من ذلك أمر عظيم من عظمة اللّه لا عهد له بمثله أَنَّما فَتَنَّاهُ أي اختبرناه بهذه الحكومة في الأحكام التي يلزم الملوك مثلها ليتبين أمرهم فيها . وعلم أنه بادر إلى نسبة المدعى عليه إلى أنه ظلم من قبل أن يسمع كلامه ويسأله المدعي الحكم ، فعاتبه اللّه على ذلك ، والأنبياء عليهم السّلام لعلو مقاماتهم يعاتبون على مثل هذا ، وهو من قصر الموصوف على الصفة قلبا ، أي هذه القصة مقصورة على الفتنة لا تعلق لها بالخصومة ، ولو كان المراد ما قيل من قصة المرأة التي على كل مسلم تنزيهه وسائر إخوانه عليهم السّلام عن مثلها لقيل « وعلم داود » ولم يقل : وظن - كما يشهد بذلك كل من له أدنى ذوق في المحاورات - واللّه الموفق ، وقال الزمخشري : وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ، وهو حد الفرية على الأنبياء عليهم السّلام ، وروي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز ، وعنده رجل من أهل الحق ، فكذب المحدث به
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 6 / 224 و 253 من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة وهذا إسناد كالشمس . ( 2 ) أخرجه أحمد 6 / 92 ومسلم 314 وأبو داود 237 والنسائي 1 / 112 والدارمي 1 / 195 والبيهقي في السنن 1 / 168 وفي المعرفة 1 / 420 ووقع أنها أم سلمة ووقع أنها عائشة رضي اللّه عنهن . ( 3 ) أخرجه أبو داود 2194 والترمذي 1184 وابن ماجة 2039 عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه وفيه عبد الرحمن بن أردك قال الذهبي : صدوق له ما ينكر وقال في التقريب : لين الحديث . قلت : له شاهد عند الطبراني كما في التلخيص 1 / 209 من حديث فضالة بن عبيد قال : فيه ابن لهيعة وآخر من حديث عبادة بن الصامت وفيه ابن لهيعة قال ابن حجر : فتقطع رواه الحارث بن أبي أسامة .